مسكين " سعد " وكل الزهور !

كتبهامحمد ...... ، في 2 يوليو 2008 الساعة: 22:57 م

قلبت الذاكرة ، وأعدت ” تقليب الأوراق “
فوجدت هذه السطور ،
فجئت أحملها إليكم ..


لا تَسلْ عن سلامتِهْ روحه فوق راحتِهْ
بدَّلَتْهُ همومُهُ كفناً من وسادِتهْ
يَرقبُ الساعةَ التي بعدَها هولُ ساعتِهْ
شاغلٌ فكرَ مَنْ يراهُ بإطراقِ هامتِهْ
بيْنَ جنبيْهِ خافقٌ يتلظَّى بغايتهْ *

******************
هي مواقف باكية ، يتجلى فيها جانب من الحياة مظلم ،
وصورة من صور الحياة باهتة كيئبة ..
وقبل ذلك ، هي جرح راعف مؤلم !
إنها طعنات غائرة ، في صدر المجتمع .

قد كنا نقرأ عما يحدث في بعض المجتمعات حولنا ، أما الآن ..
فقد أصبحنا نقرأ ونسمع ونعايش مآس كتلك ،
وأمارات تدل على خطر محدق ، وشر مستطير ، إلم يُتدارك ,,

********

ما أجمل تلك ” الأيام ” ،
يوم أن كان الإنسان ”
خليا ” ، لا يحمل هما ، ولا تنسكب له دمعة بؤس ،
يوم أن كان ” طفلا ” مشرقا ، يرى الحياة كلها كروحه مشرقة !

لم يعد ذلك الطفل طفلا ، فقد أظلمت الهموم قلبَه ،
وأطفأت الحياةُ ما تبقى من إشراق بين جنبيه .
فنادى بألم وحسرة :
يا صغار اليوم : ” ابقوا صغارا ، ربما يقسو الزمن ” !

(( 1 ))

قال لي يوما - وهو يبكي بحرقة - :
أبويه ” ، الله لا يوفقه ، الله يلـ .. ,, !!
ما جاب مصايبي وهمومي إلا هو !!
..
طفل صغير في ثاني مراحله المتوسطة ، يكشف عن أثر حبل في رقبته ويقول :
شف ” الـكـلـ ، وش سوى ” !!

كنت أتعاطف معه - وبشدة - ، وأحيانا أحبس أدمعا تشآدني - وبحرقة - ،
وحق لكل طفل يسمع ويرى كهذا أن يتعاطف وأن يبكي وأن يذبل ..

كانت عطلة الأسبوع استراحة له ليبث لي مشاكله وهمومه ،
وألوان العذاب الذي يقاسيه من أبيه !
وكانت كذلك ، يومين مترعين بآلام وأحزان ، فأسمع ما يحرق فؤادي ،
وما لا يحتمله قلبي الصغير !

كان ذكيا فوق المعتاد ، صديقا وفيا بكل ما تعنيه الكلمة !
طريفا في كلامه ، حركاته ، حتى نظراته إذا أراد .
وفوق هذا كان ” شقيا ” بصورة غريبة.

كان قريبا مني وكنت منه قريبا ،
تجمعنا المدرسة ، والهاتف ، الواجبات ، المسجد ،
والحارة ، وسوق ( ….. ) المركزي !
نلتقي هناك في السوق من بعيد ، هو مع أبيه ، وأنا مع أبي ..
لم نكن نعرف إلقاء التحية ، فنكتفي بالبسمات التي تتحول أحيانا إلى قهقه مطربة ، آسرة ، بريئة !

مسكين ” سعد ” !
حمّـلوه من حياته ما لا يحتمل ، طفل صغير لكنه مثقل بهموم الشيوخ !
فترى الهم يتدفق من نظراته إذا صمت ، أو غرق في تفكيره ..
ثم يصحو ليتصنع ابتسامة جميلة بلهاء !

ما زلت قريبا منه ، أسمع همومه وآلمه ، وأراه يذبل قليلا قليلا ..
كزهرة رحل عنها الربيع فجأة ، لم تطق لفح المصيف فقررت الرحيل بصمت !

لم أنس ذلك اليوم حين ألتقينا أنا وهو ورفيق لنا ثالث ،
فتطارحنا أمانينا وأحلامنا ، وألقينا أحلى ما في قلوبنا الصغيرة ،
إنها الأماني ، وهل أحلى من أمنيات الأطفال ؟
تمنينا فأتفقت الأماني والأحلام ! :
اسمعوا خلاص ، البترول والمعادن ، إذا تخرجنا من الثانوية ” !

كان حلما جميلا ، ما أسرع ما قُـتل! !

.. قليلا ، قليلا ..

لم يعد ” سعد ” ذلك السعيد ، وابتسامته الجميلة وعباراته الطريفة تغيب أياما ،
وترجع ساعة واحدة ، ثم تعود لسباتها العميييق ..

قليلا ، قليلا ..

لم تعد دراسته كتلك ، ولم يعد اسمه معانقا ” لوحات الشرف ” ،
نووم طويل في الفصل إذا حضر ، وغياب أطول ..

قليلا ، قليلا ..

يأتيني - فرحا يكاد يطير - يقول : ” أبويه ، اشترى لي سيارة جديدة ” ،
فرحت لفرحه ، وسررت كثيرا بسروره ،
ولم أكن أعلم أن أنني كنت أفرح بفصل خطير من فصول مأساته !

قليلا ، قليلا ..

” أبويه طردني من البيت ، ونمت أمس على الحزام ”

وكبرنا وانقضت أحلامنا ..
ونسيت تلك الأيام ، وما حملت من أحداث ..
.. وانقطعت أخباره إلا القليل منها ، ولا أتذكره إلا مع ألسنة الناس !

***

كان يوما حافلا باسما من أيام الثانوية …
وما أقل الأيام الجميلة حين تبحث عنها بين ركام ذاكرتك !
قابلت أحدهم على عجل ..
.. قال لي قبل أن ينصرف :
على فكرة ؛ تعرف ” سعد ” ، سمعت أنهم مسكوه ، قضية مخدرات ” ..
قالها بلا مبالاة ، ثم انصرف ..

.. أيها الأب العزيز ، ليهنك ما جنته يداك !!

مسكين ” سعد ” ، وكل ” الزهور ” !!

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات .. | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

5 تعليق على “مسكين " سعد " وكل الزهور !”

  1. الأبيات في بداية السطور للشاعر : إبراهيم طوقان .

  2. مسكين سعد وكل الزهور

    أبدعت أخي بوح

    كم من الزهور تذبل كل يوم

    كم من المآسي نراها كل يوم

    ولا حياة لمن تنادي

  3. ^

    ^

    أحي الكريم ..

    شرفت بمرورك ، والمؤلم أننا نراها كل يوم ولا نملك ردا لذلك ..

    :(

    دمت بخير

  4. عبدالحميد اليحيى قال:

    يآآآآآآآه يا دكتور. . هذا أبٌ مسكينٌ ظالم!، وإلا لو لم يعتني بولده! فقط تركه لنفسه، لأصبح مقعده بجوار مقعد الدكتور محمد في الجامعة، إن لم يذهب للبترول والمعادن،

    أراد والده الجاهل(ووالله العظيم يا محمد، أن كل خطأٍ، وذنبٍ، ومصيبة، تقع في الدنيا لسببها، الجهل، إحفظ هذا جيداً يا د. محمد، فلقد حفظته عن العلامة أبوبكر الجزائري في الحرم النبوي، وها أنا أنقله إليك)، أن يربيه فأفسده من حيث أراد إصلاحه.

    وبدلاً من أن يكون أبنه خريج أرقى الجامعات، أصبح بفضل والده خريج أعتى السجون!.

    والله يا د. محمد أنك نكأتَ صمام الحزن في فؤادي نكأً عظيما.

  5. صديقي الكريم عبدالحميد ..

    صدقت والله ، وصدق الشيخ الفاضل ..

    فكم أورد الجهل صاحبه موارد المهالك ..

    لا فجعت بحبيب ، ولا أصبت في قريب ..

    لك تقديري .



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول